القائمة الرئيسية
مقالات
د. مصطفى اللداوي
نتنياهو قلق على إرث بيغن
دكتور أحمد راسم النفيس
مسرح الشرق الأوسط
تاكسون آرز
الخطاب الطائفي عند آل سعود
علي آل غراش
مصليات الخبر.. ماذا بعد عامين من الإغلاق؟
الشيخ صالح الكرباسي
إحصاء عن توزيع الشيعة في العالم يكشف أنهم يشكلون ربع المسلمين
واصف عواضة
هل حق الدفاع عن النفس مسموح به؟
جعفر رجب
بروتوكولات حكماء الشيعة!
دكتور أحمد راسم النفيس
يتلونون ألوانا
حسين صادق
صدام وزمن عبادة الاصنام
تحقيقات
مقابلات
كتّاب الصحافة السعودية والمسألة الشيعية؟!
عادة لا يُغفل كتاب الصحافة في أي وطن قضايا أوطانهم الكبرى في كتاباتهم. وهي قضايا تشكل بؤرة توتر اجتماعي وسياسي مستمرة، كتلك المتعلقة بعدالة توزيع الثروة وتوجهات نظام الحكم وانتهاكات حقوق الإنسان وأُسس الفساد والتمييز والعنصرية. أما معظم الكتاب الصحفيين السعوديين فلهم حساباتهم الخاصة وتقديراتهم المرتبطة بنظام الحكم السعودي. وهو ما يفقد الكاتب الصحفي السعودي مصداقيته وموضوعيته والتزامه المبدئي بقضايا وطنه الأساسية والكبرى.
التمييز الطائفي الحقيقة المُغيّبة
التمييز الطائفي والمذهبي في السعودية أصبح واقعاً يعيشه كل المواطنين الشيعة. بل يستشعره كل منتمٍ الى المذاهب الإسلامية التي لا تعتقد بالسلفية الوهابية (الحاكم الديني الفعلي في العربية السعودية). فكل ذو لب يستطيع التعرف في السعودية على استفحال العنصرية الطائفية والمذهبية التي تحولت إلى قضية كأداء تعمّق الانقسام باستمرار بين المناطق والمذاهب في هذا البلد. إن التمييز المذهبي والطائفي صار عملياً جزءاً من بنية النظام الملكي السعودي وعادته في الحكم. وهكذا واقع لن يؤمّن للكيان السعودي الاستمرار في وحدته الحالية، كما يريدها آل سعود، إن لم يجر إصلاح النظام السياسي الذي يجب أن يضمن العدالة والمساواة للجميع.
فهاهم المواطنون الشيعة (الإسماعيلية والإثنا عشرية) يُمنعون من بناء مساجد لهم في عدد من مدن المنطقة الشرقية، كالدمام والخبر والجبيل. بل يُمنعون من أداء صلواتهم الدينية الجماعية في بيوتهم، ومن إقامة مراسيمهم المذهبية في هذه المدن. كما اعتقل ويُعتقل الكثيرون منهم لإجبارهم على التخلي عن إقامة عباداتهم علناً. إن هذه الإجراءات العنصرية الطائفية ضد الشيعة، هي جزء يسير من محنة الشيعة في السعودية التي يتجاهلها كتاب الصحافة السعودية – كعادتهم – بمن فيهم أكثرهم إدراكاً لعمق هذه المحنة كالكاتبين الصحفيين السعوديين عبدو خال وعابد خزندار.
يزعم كتاب الصحافة السعوديون (كحمود أبو طالب وجمال خاشقجي وعلي الموسى وقينان الغامي وتركي الدخيل وتركي الحمد وعبد الرحمن الراشد وداود الشريان وعبد الله الكعيد وطلال القشقري وعبد العزيز القاسم) أنهم ملتزمون في ما يكتبون بقضايا وطنهم الكبرى. إلا أن لهم معاييرهم الخاصة لتحديد حجم القضايا الوطنية الكبرى. فهم يكتبون إلى درجة الصّخب في أحداث يفترضون أنها تشكل خطورة كبرى وطنياً، حتى وإن كانت لا تصل الى تلك الدرجة.
كذلك فإن حدود الحرية المسموح للكاتب الصحفي السعودي الكتابة فيها مرهونة بإرادة جانبي الحكم السعودي (الجناح السديري وأنصاره مقابل جناح الملك عبدالله وأنصاره). وبالتالي لا يكون للنقد التنويري الحر والمستقل وجود. وهو النقد الضروري لتحقيق الحرية والعدالة والتقدم في المجتمع. وعلى هذا الأساس، تحول الكاتب السعودي إلى مواطن مرتهن ومرتزق في نفس الوقت لحساب أحد الجناحين في صراعاتهما. فمنع الاختلاط في السعودية كأحد الأمثلة الصارخة على التخلف تحول إلى موضوع تتجلى فيه صراعات جناحي السلطة السعودية.
وعملياً، تحول كتاب الصحافة السعوديون في هذا السياق إلى جنود يحاربون بالنيابة عن المتصارعين الأصليين، برغم ادعاء هؤلاء الكتاب أنهم يعبرون عن قناعاتهم، سواء كانت قناعات ليبرالية أو إسلامية. فقبول الليبراليين خوض معركة الكتابة لتقويض السلفيين أو أن يكتب السلفيون لتقويض الليبراليين تحت حماية أحد الجناحين، هو من الناحية العملية اصطفاف في معركة لا يملك أي من هؤلاء الكتاب أي قرار فيها، أو تحديد أي مسار لها، إلا ما يقرره أحد الجناحين بطريقة أو بأخرى. فهؤلاء الكتاب تحولوا إلى ديوك تتعارك، لا أكثر، مقابل المال، أو مقابل مشاريع، أو امتيازات شخصية، أو مقابل (وهم ممارسة التعبير عن الرأي والنقد. وهذا محض هُراء أو خداع للنفس وللرأي العام. لأن كلا الجناحين لا يؤمن لا بحرية التعبير ولا بالقيم الليبرالية والإسلامية في الأساس).
وحينما يتجاهل الكتاب السعوديون واقع التمييز الطائفي والمذهبي في السعودية، فإنهم في الواقع يعكسون:
1. إرادة جناحي الحكم السعودي اللذين يتفقان على ضرورة تجاهل مسألة التمييز الطائفي والمذهبي.
2. مواقفهم التبعية، أو التي تسير - بقصد أو بدونه - في فلكي الجناحين.
لذلك يتفق الكتاب السعوديون الليبراليون والسلفيون معاً ـ وهم المختلفون في أحداث أخرى كثيرة ـ على أن التمييز الطائفي والمذهبي في السعودية ليس له وجود، أو هو خط أحمر لا يجب الكتابة عنه أو مسه بكتابات نقدية تنويرية حرة، على الرغم من أن هذا التمييز هو أحد القضايا الكبرى وطنيا، لأنه ليس في صالح الاستقرار الوطني استراتيجياً ولا في صالح تحقيق العدالة والمساواة للجميع التي هي أحد الأهداف الحقيقية في الليبرالية والإسلام اللذين يدعي هؤلاء الكتاب أنهم مؤمنون بأحدهما أو بهما معا.
وحتى لا يبدو الكاتب الصحفي السعودي متجاهلاً لقضايا وطنية كبرى وملحة، أصبح، أو هكذا بدا، يعتبر القضايا الأخرى كالاختلاط وعدم تكافؤ النسب وتزويج القاصرات من القضايا الوطنية الكبرى والملحة. فقد بدت هذه القضايا من حيث عدد الكتاب الصحفيين السعوديين الليبراليين والإسلاميين (المعتدلين) الذين تناولوها على مدى أسابيع، بدت كما لو أنها القضايا الوطنية الأساسية أو قضايا تهدد الأمن الوطني.
في الواقع يمكن تسمية بعض هذه الكتابات الليبرالية المظهر بحملة ليبرالية ضد السلفية أو بعض مما كتبه ويكتبه السلفيون بحملة ضد الليبرالية، ولكن بالطريقة السعودية التي تراعي دائماً خصوصية الحاكم السعودي العنصري والعدو الحقيقي لليبرالية والإسلام معاً.
ما يمكن استخلاصه هو أن مقالات كتاب الصحافة السعوديين تساهم في ترقيع الأخطاء التي يرتكبها نظام الحكم المتمثل في أمراء السلطة السعودية. إنهم يتجنبون وبوعي، الإشارة إلى قضايا المواطنين الكبرى، كتوزيع الثروة بعدالة، وإقرار الانتخابات الشعبية، كمنهج للمشاركة السياسية الحرة وسيادة سلطة الدستور وحق الاعتقاد وإيقاف التمييز على أسس طائفية ومناطقية وقبلية.
تناقضات كتاب الصحافة السعوديين
مثلا، كتب محمد علي الحمود مقالاً بعنوان "الوطن والإنسان .. حوار الاختلاف وتعايش الشركاء" في صحيفة الرياض 6 أيار(مايو) 2010م قدم فيه رؤية لمفهوم الوطن المدني على أساس الجغرافيا الضامنة لحقوق المواطنين، وليس على أساس المذهب أو القبيلة أو العرق. ونحن بدورنا نسأل: هل الوطن الذي يناقش الكاتب كيفيته ينطبق على المملكة السعودية كوطن؟ بمعنى: هل المملكة السعودية وطن مدني؟ لقد تجنب الكاتب على ما يبدو الإشارة الى السعودية، إما لقناعته بأنها وطن مدني يكفل للجميع حقوقه. أو لقناعته بأن هذا البلد ليس وطنا مدنيا، فآثر عدم الإشارة الى هذا حتى لا يُساءل. وحتى يبدو منسجما مع ما يحاول توضيحه عن الوطن المدني وتطور فكرة الوطن من اللا وطن إلى الوطن، أخذ يناقش الوطن المدني بطريقة متوارية عبر إقحام العرب والمسلمين، ليتجنب أي إشارة إلى المملكة السعودية. مثل هذه الوسائل في الكتابة الصحفية عادة ما يلجأ إليها كتاب الصحافة السعوديين. فيعممون النتائج، وبذلك يفقد القارئ العادي التمييز بين الفاسد والأكثر فساداً، والمنتهك لحقوق الإنسان والأكثر انتهاكاً، والمُمارس للتمييز بين المواطنين والأكثر ممارسة له. وإذا افترضنا أن الحمود اعتبر السعودية في مقاله وطنا غير مدني، فهو هنا وضع المملكة السعودية في سلة واحدة مع بقية البلدان العربية والإسلامية التي لا تنطبق عليها فكرة الوطن المدني. وهذا يكفي لتضليل الرأي العام العادي، وجعل المملكة السعودية في مأمن من النقد الموجه إليها تحديدا، بسبب انتهاكاتها لحقوق المواطنين وتمييزهم بطريق مزمنة وفاضحة على أسس مذهبية ومناطقية وقبلية. وهو تمييز لا نجده في أوطان أخرى بهذه الدرجة الفاضحة والمزمنة.
جميعنا يعرف أن للمملكة السعودية حدودا جغرافية كسائر الأوطان، لكنها ليست وطنا للجميع وليست وطنا للشراكة والمشاركة. إنها وطن الأقلية فقط المتمثلة في آل سعود والمنتفعين.
إذا كان الكتاب الليبراليون ـ تحديداً ـ يؤمنون حقاً بأن الوطن للجميع كما تؤكد الليبرالية، فماذا سيكتبون لو أن مقالا دعا علناً إلى العنصرية العقائدية. هل سيشاطرون كاتب هذا المقال الدعوة أم يستنكرونها أم يختبئون وراء الصمت أو التجاهل ؟ لا بد أن كتاب الصحافة السعوديين قرأوا مقال الأمير سلمان (فليحذر الباحثون من فخ مصطلح "الوهابية") في صحيفة الحياة 28 أبريل(نيسان) 2010. وأغلب الظن أنهم كوّنوا رأياً حول الأفكار الواردة في المقال، كما يفعلون عادة في بقية المقالات أو الآراء الأخرى المنشورة التي كتبها سلفيون حول موضوعات معينة كالاختلاط وقيادة المرأة للسيارة أو موضوعات متعلقة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية). ولكن:
• ماذا يقول هؤلاء الكتاب الذين يصفون أنفسهم بالليبراليين والذين بُحَّت حناجر أقلامهم وهم ينتقدون، بلا هوادة، الخطاب السلفي الأصولي المتطرف ويفككون مضامينه؟
• ماذا يقولون عن أفكار الأمير سلمان التي كتبها في مقاله والمتعلقة بدعوة محمد بن عبد الوهاب واعتبارها دعوة تمثل الإسلام الصافي في عصرنا الحاضر، وأنها تلتزم بالسلف الصالح، وبالتالي بالقرآن والسنة؟
• ماذا يقولون أيضاً عن رفض الأمير إجراء أية إصلاحات في الفهم الوهابي للإسلام بدعوى أنه ذو مضامين نادى بها القرآن الكريم والسنة النبوية؟
• ألا يعتقد الكتاب الصحفيون السعوديون الليبراليون كتركي الدخيل وجمال خاشقجي ومحمد الحمود أن مقال الأمير دعوة صريحة للسلفية والأصولية والتطرف؟
• ألا يعتقدون أيضا أن مقال الأمير دعوة الى التكفير الصريح لغير الوهابيين طالما أن الدعوة الوهابية عنده تعكس الإسلام الصافي النقي؟
• ألا يعتقد هؤلاء الكتاب أن مقال الأمير انتهاك صريح للحقوق المذهبية لأغلبية المسلمين، وخصوصا المواطنين السنة والشيعة في السعودية ؟
• ألا يعتقدون بأن الأمير يعكس التوجهات العنصرية في الحكم السعودي؟
• ألا يعتقدون أن صمتهم أو تجاهلهم لما ورد في مقال الأمير من أفكار سلفية أصولية متطرفة يتناقض مع موقفهم النقدي اللاذع لذات الآراء السلفية الأصولية المتطرفة التي يطلقها سلفيون كابن عثيمين أو موقفهم من تصرفات "الهيئة" المتطرفة المؤصلة وهابياً؟
• لماذا هذه الازدواجية في المعايير؟
•هل تنسجم هذه الازدواجية مع الموقف الليبرالي الحقيقي الذي يناهض العنصرية والتمييز بجميع أشكاله؟
• هل يعزز مقال الأمير الوحدة الوطنية ويدفع الوطن الى المزيد من اللحمة بين فئاته الاجتماعية والمذهبية؟
• هل يعزز مقال الأمير الشراكة والمشاركة الوطنية؟
• هل يساهم مقال الأمير في نقل (السعودية) من اللا وطن إلى الوطن؟
إن تأييد الأمير سلمان للوهابية كرؤية دينية وحيدة في البلاد، يتناقض بلا شك مع مبادئ الليبرالية والإسلام لأن الوهابية دعوة صريحة للعنصرية العقائدية ومصادرة فجّة لحقوق المواطنين من المذاهب الأخرى، كالشيعة والمالكية. بل إن مؤازرة كتاب سعوديين لآراء الأمير هذه، مؤشر خطير لتوسيع دعم الإرهاب والتطرف في السعودية. فموقف داود الشريان الليبرالي التوجه من مقال الأمير سلمان، بدا واضحا أنه ينسجم مع السلفي الوهابي صالح المغامسي الذي كتب مقالاً في صحيفة المدينة 9 مايو(أيار) 2010 يمتدح فيه بحماسة شديدة ما أورده الأمير في مقاله، مبررا للأمير صدق هدفه من مقاله. فالشريان على أضعف الإيمان يرى بمقاله في صحيفة الحياة 29 (أبريل) 2010 أن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( الوهابية ) لعبت دورا تنويريا وحضاريا في العالم الإسلامي. كما بدا مدافعا مستميتا عن مقاصد الأمير الذي أراد – كما يرغب الشريان أن يقول – دحض الآراء المشوّهة لدعوة الشيخ ابن عبد الوهاب وربطها بالتطرف الوهابي. وهو نفس الرأي تقريباً الذي طرحه السلفي الوهابي صالح المغامسي وهو يحاول شرح مقاصد الأمير في مقاله. وهو شرح يشير بلا لبس إلى التأييد المطلق لكل ما أورده الأمير في مقاله عن الوهابية (دعوة ابن عبد الوهاب السلفية الأصولية المتطرفة). وهكذا بدا الشريان الليبرالي المظهر والمغامسي الوهابي السلفي الهوى، متفقين معا مع الأمير في آرائه السلفية الأصولية المتطرفة، وكأن من يجمع بين الليبرالية والسلفية الوهابية هم الأمراء في مملكة آل سعود، ولكن بالطريقة السعودية المعهودة!
وقد شهدنا هذا الانسجام في المواقف، بين ليبراليين وسلفيين وهابيين سعوديين، إبان حرب تموز بين المقاومة اللبنانية وبين الكيان الصهيوني. فبدوا أكثر انسجاماً مع إعلان الحكومة السعودية بأن رد المقاومة على الكيان الإسرائيلي هو مغامرة!. وظهر ذات الانسجام مع رأي الحكومة السعودية في الاعتداءات الوهابية والأمنية على الزوار الشيعة في المدينة المنورة!.
يرتكب الكتاب الصحفيون السعوديون خطأ تاريخياً بصمتهم أو تجاهلهم أو مؤازرتهم للأفكار العقائدية السلفية الأصولية المتطرفة التي يتبناها الأمراء السعوديون، من خلال تشبثهم بالوهابية كرؤية دينية مفروضة على الغالبية من المواطنين السنة والشيعة الذين يشكلون 90% من المواطنين، على اعتبار أن الوهابيين يمثلون 10 % تقريبا.
إن تهميش الشيعة عبر التمييز المذهبي والطائفي والسياسي والاقتصادي لا يزال ركنا أساسيا في القاموس السعودي الرسمي المليء بالمفردات العنصرية المتطرفة والسلفية. والواضح أن الكتاب الصحفيين السعوديين لا يريدون أن يروا هذه المفردات، بالرغم من وعيهم ومعرفتهم بأن الأمير سلمان استلهم منها الكثير لصياغة مقاله العنصري. فأي وطن يحاول الكتاب الصحفيون السعوديون أن يصوروا لنا؟ وهم أول المنحازين الى العنصرية التي يطلقها الأمراء، سواء عبر مقالاتهم أو عبر غيرها. إن الشيعة كفئة هم الأكثر تعرضا للتمييز المذهبي في السعودية، وكما يتجاهلهم نظام الحكم، يتجاهلهم كتاب الصحافة السعوديون، بمن فيهم الليبراليون.
إن مأزق الكاتب الصحفي الليبرالي على ما يبدو هو أنه يتطلع الى امتيازات خاصة.
وما يؤيد هذا الرأي هو الآتي:
1. إن معظم كتاب الصحافة السعوديين الليبراليين صامتون أو متجاهلون لما يجري رسميا، من تمييز عنصري مذهبي ضد الشيعة. وآخرون مؤازرون (كداود الشريان) للخطاب السلفي المتطرف. وفي جميع الحالات تبدو النتيجة واحدة، وهي تعزيز التمييز الطائفي ضد الشيعة.
2. تناقضهم الصارخ مع زعمهم أنهم مؤمنون حقّاً بأفكارهم الليبرالية التي تسعى إلى تحرير الإنسان من كل أشكال التمييز والعبودية. فصمتهم وتجاهلهم للتمييز الطائفي ضد الشيعة أو ومؤازرتهم للخطاب العنصري السلفي المتطرف هو تناقض واضح مع مقتضيات الليبرالية.
3. امتناعهم عن تناول القضايا التي يتفق جناحا الحكم السعودي على اعتبارها خطا أحمر أو لا يجب التعرض لها. فقضية التمييز الطائفي واقع موجود، يتنكرون له، بالرغم من انكشافه عربيا ودوليا.
4. لا يجرؤ أي منهم أن يكتب بطريقة نقدية تنويرية حرة، حول العلاقة المباشرة وغير المباشرة لنظام الحكم السعودي بين طريقته في الحكم وإفراز واقع اجتماعي متخلف، كوجود شرطة دينية ومنع الاختلاط ومنع قيادة المرأة للسيارة واستمرار الطلاق تحت مبرر عدم تكافوء النسب.
ضمير وطني أم مصلحة شخصية
ألا يعتقد كتاب الصحافة السعودية أن التمييز الطائفي مشكلة وطنية مزمنة وكبرى في أهميتها الوطنية وملحة باعتبارها قد تهدد وحدة الوطن ؟ ألا يعتقد هؤلاء الكتاب أن منع الشيعة من أداء صلواتهم معاً في مكان عام في الخبر أو الدمام يستحق الاهتمام والكتابة عنه في وسيلة إعلامية ما؟
ألا تستحق هذه الممارسات الرسمية السعودية العنصرية أن يُسلط عليها ضوء النقد التنويري الحر والمستقل من قِبل كتاب الصحافة السعودية الذين يزعمون أنهم وطنيون ويخشون على وطنهم من التفتت والفتنة ؟
ألا تقتضي مشاعر الوطنية والموقف الوطني المسؤول أن تكون المسألة الطائفية في السعودية في بؤرة عقل الكاتب الصحفي السعودي كملتزم بمبادئ إسلامية أو ليبرالية ؟ أم تُراه مشغول بقضايا أخرى كالاختلاط ـ على أهمية معالجتها ـ لتجنب الخوض في قضايا يرى الحكم السعودي بجناحيه أن النقاش فيها محضور إعلاميا؟ أم أنهم يكتبون من أجل امتيازات شخصية من خلال الدوران في فلك الجناحين الحاكمين؟ كل هذه أسئلة مشروعة ما دام هؤلاء الكتاب يلتزمون الصمت والتجاهل أمام قضايا وطنية كبرى كقضية التمييز الطائفي والمذهبي في السعودية.
إن الكتابة الصحفية يجب أن تعكس التزام الكاتب الصحفي السعودي بمنهج مستقل، يساهم في التقدم الوطني الحقيقي، من خلال تحديد قضايا الوطن الكبرى والملحة، ومن ثم تفكيك عوامل نشوئها وتحديد مصادرها. فهؤلاء الكتاب الذين يزعمون أنهم وطنيون ليبراليون أو إسلاميون معتدلون عليهم، حقّاً، إثبات صدق زعمهم، لا أن يضخموا أحداثاً اجتماعية لتبدو ـ على أهميتها الاجتماعية البنيوية ـ ملحة وضرورية ومقدمة في أهميتها على قضايا وطنية أكبر، كالمشاركة السياسية والعدالة في توزيع الثروة والتمييز المذهبي والطائفي الممارس ضد المواطنين الشيعة الذين يشكلون تقريباً 25% من المواطنين في السعودية. فعلى سبيل المثل، ألا يقتضي التوجّه الليبرالي أو الإسلامي المنفتح في عقل الكاتب الصحفي السعودي أن يعلن موقفا مبدئيا في مقالاته من أجل تحقيق ما تدعو له مبادئه الليبرالية أو الإسلامية كحرية الاعتقاد للجميع بمن فيهم الشيعة كمواطنين لهم حق الاعتقاد وممارسة ما يعتقدون بحرية وعلنية، وفي أي مكان على أرض الوطن ؟ لماذا لا يتحلى الكتاب الصحفيون السعوديون بالشجاعة والجرأة من أجل الدفاع عن الحرية والعدالة، كلا من وجهة نظرة الفكرية، سواء الليبرالية أو الإسلامية المنفتحة ؟
إن صدق القناعة بالليبرالية كمنهج يدعو الى الحرية والمساواة، أو بالإسلام كدين يطالب بالعدل، يستلزم الآتي من كل كاتب سعودي في الصحافة السعودية، سواء كان ليبراليا أو إسلاميا منفتحا:
1. أن لا ينحاز مع نظام حكم يكرس العنصرية الطائفية والمناطقية بتعسف وبوسائل قمعية.
2. أن يتخلى عن المعايير التي يحددها نظام الحكم السعودي في مفهوم الوطن والوطنية التي تختزل الوطنية في الولاء لآل سعود أو عائلتهم الحاكمة.
3. أن تنسجم أقواله مع أفعاله. فالكاتب مرهون بما يفعل وليس بما يقول. والكتابة فعل يجب أن يكون تقدميا واستجابة للمعايير الوطنية التي تجعل من الوطن مكانا تتحقق فيه العدالة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للجميع بلا استثناء.
4. أن يفي لقناعاته الفكرية التي يزعم أمام الرأي العام أنه مؤمن بها.
5. أن يوجه نقدا تنويريا حرا ومستقلاً للإجراءات التعسفية والأفكار المتطرفة من أي كان، وأن يرفض الانتهاكات المستمرة لحقوق المواطنين السياسية والثقافية والاقتصادية، حتى وإن صدرت من السلطة السياسية السعودية.
6. التوقف عن البحث عن أعذار لتبرير التقصير الصادر، سواء من نظام الحكم أو منه.
المصدر: مركز الحرمين



أرسل لصديق