القائمة الرئيسية
مقالات
د. مصطفى اللداوي
نتنياهو قلق على إرث بيغن
دكتور أحمد راسم النفيس
مسرح الشرق الأوسط
تاكسون آرز
الخطاب الطائفي عند آل سعود
علي آل غراش
مصليات الخبر.. ماذا بعد عامين من الإغلاق؟
الشيخ صالح الكرباسي
إحصاء عن توزيع الشيعة في العالم يكشف أنهم يشكلون ربع المسلمين
واصف عواضة
هل حق الدفاع عن النفس مسموح به؟
جعفر رجب
بروتوكولات حكماء الشيعة!
دكتور أحمد راسم النفيس
يتلونون ألوانا
تحقيقات
مقابلات
تـركـة الحروب في العراق: أطنان من النفايات السامة
ما حجم النفايات السامة التي تتركها القواعد العسكرية الأميركية بعد انسحاب الوحدات المقاتلة من العراق؟ صحيفة «التايمز» البريطانية تقول إنها تقدر بالأطنان (5 الى 10 أطنان)، والحكومة العراقية تقول إنها تحركت بواسطة الأقنية الدبلوماسية لاستيضاح السلطات الأميركية حول حقيقة هذه المعلومات. وفي انتظار أن ينجلي المشهد عن حقائق نهائية، فإن كل شيء يدل على أن المواد الملوثة التي تراكمت في السنوات السبع الأخيرة ضخمة، وأنها دفنت في التربة العراقية، ويمكن أن تترك آثاراً مدمرة على البيئة وعلى الأجيال العراقية المقبلة. ماذا في الملف؟
الجيش الأميركي صرح أنه سيعاقب كل من يثبت إدانته في عملية التخلص من النفايات السامة في العراق التي أثارت انتقادات أميركية وعراقية كبيرة وسط مخاوف من تهديدها صحة الشعب العراقي.
ونقل عن قيادي في الجيش الأميركي قوله: "إن الجيش الأميركي سيلاحق الشركات والأشخاص الذين تثبت إدانتهم في قضية التخلص من النفايات السامة في العراق"، موضحاً أن الجيش الأميركي تعاقد مع شركات للتخلص من هذه النفايات.
وأوضح المسؤول العسكري الأميركي أن الجيش سيقوم بإرسال خبراء في هذا المجال للتعرف الى طبيعة النفايات التي تم التخلص منها في العراق لتحديد الجهات والأشخاص المسؤولين لتتم ملاحقتهم ومحاسبتهم على ما وصفه بهذه الجريمة.
وفي السياق نفسه، أكد علي الدباغ المتحدث باسم الحكومة العراقية أن الحكومة لن تقبل بمثل هذه التجاوزات، مشيراً إلى أنه بعد اكتشاف هذه التجاوزات تم التعامل معها بشكل قانوني ودبلوماسي مع الجانب الأميركي.
وشدد الدباغ على أن الحكومة العراقية ستقوم بملاحقة كل من يثبت إدانته في عملية التخلص من النفايات السامة في العراق، مشيراً إلى أن الحكومة لن تقبل المساس بصحة وسلامة الشعب العراقي.
وأوضح الدباغ أن الحكومة العراقية بموجب الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن تملك القدرة على ملاحقة الجيش الأميركي والجهات التي تعاقد معها للعمل في العراق، مشيراً إلى أن عملية التخلص من النفايات السامة من شأن شركات تم التعاقد معها بين الجيش والجهات المختصة. ولفت إلى أن معظم هذه النفايات تتمثل في الزيوت منوهاً إلى أن الحكومة العراقية تتابع هذه القضية بقلق منذ اللحظة الأولى.
وفي المعلومات التي نشرتها صحيفة "التايمز"، أن متعاقدين من القطاع الخاص من العاملين في القواعد العسكرية الأميركية وعددها بالمئات يقومون برمي كميات كبيرة من الزيوت والأحماض والفلاتر والبطاريات في ساحات الخردة العراقية، وهذه التركة الجديدة تضاف الى تركة حروب الخليج السابقة من نفايات اليورانيوم المنضب التي ألقيت في ساحة العمليات، وهي تكفي لتزويد الأجيال العراقية المقبلة بإرث مسموم.
"التايمز" استندت الى تحقيق ميداني شمل خمس محافظات عراقية، لتؤكد أن "البنتاغون" اتخذ، من دون أي تأكيد رسمي، قراراً بدفن هذه المواد الخطرة في العراق. ووزارة الدفاع الأميركية تقدرها بخمسة آلاف طن بالاضافة الى 14500 طن من الزيت النفطي والتراب الملوث بالشحوم والزيوت المعدنية.
وتلفت "التايمز" إلى أن العراقيين الذين اقتربوا من بعض هذه المواد عانوا في ما بعد من طفح جلدي وتقرحات على الأيدي والأرجل، كما اشتكوا من تعرضهم لنوبات سعال وتقيؤ شديدة. وشوهدت جرذان نافقة في المناطق التي دفنت فيها هذه النفايات.
ويقول أبو سياف أحد المواطنين العراقيين في الفلوجة الذي كان يعمل مع القوات الأميركية في مجال التخلص من نفاياتها: "إن التقرحات ملأت جلده منذ كان يعمل مع الجيش الأميركي وأخبره الأطباء أن ما حدث له ناتج عن تأثير التعرض لمواد كيماوية خطرة".
وقد تم الكشف فيما بعد عن أن الشركات المختصة بمعالجة المواد التابعة للقواعد العسكرية الأميركية كانت تخلط المواد السامة الخطرة التي تريد التخلص منها مع النفايات العادية وتسلمها للعمال المحليين على أنها عادية.
وتأتي علب وحاويات هذه المواد الخطرة عادة وعليها ملصقات تعرفها بأنها ملكية للجيش الأميركي أو تأتي ومعها ورقة عمل لوزارة الدفاع الأميركية، وقد اكتشفت «التايمز» رسالة الكترونية وجهت في العام 2008 من شركة «الايد كيميكال اوف موريستاون» في نيوجرسي إلى مسؤولي البنتاغون تحذر من تأثيرات النفايات السامة.
وجاء في ورقة ملصقة على حاوية تضم حمضاً كبريتياً وهو سائل عالي السمية يستخدم في معالجة المياه "إنه مادة تسبب حروقاً حادة للجلد والرئة". وتدعو الورقة إلى الحصول على اهتمام صحي فوري في حال لمس المادة واستخدام قناع للغاز.
وتلفت «التايمز» إلى أنه مع تنفيذ الخطط الأميركية بانسحاب غالبية الجنود الأميركيين من العراق خلال العام الحالي وإغلاق مئات القواعد العسكرية الأميركية، فإن مسألة التخلص من نفاياتها ستصبح موضع تساؤل إذ إنها قد تعاد إلى الولايات المتحدة من خلال شحنها من ميناء أم قصر العراقي أو تتم معالجتها في منشآت بنيت خصيصاً لهذه الغاية في العراق.
ويقول البريغادير جنرال "ستيفن لانزا" المتحدث باسم جيش الاحتلال الأميركي في بغداد: "إن القيادة العسكرية تأخذ هذا الأمر بجدية وترغب في حل هذه المشكلة". ويضيف: "قد يكون هناك بعض الأمور التي قمنا بمعالجتها بشكل غير ملائم، لذلك فإن واشنطن سترسل فرقاً لمعرفة ما إذا كان خطأ ما قد وقع".
وتشير «التايمز» إلى أن غالبية مواقع دفن المواد السامة موجودة بالقرب من الطرق الرئيسية من بغداد إلى الموصل إلى الفلوجة، حيث تمركزت غالبية القواعد العسكرية الأميركية خلال السنوات السبع الماضية، وتؤكد الصحيفة أنه وفقا لتعليمات وقوانين البنتاغون فإنه حتى الحاويات الفارغة التي كانت تحتوي موادا سامة في السابق ممنوع إعادتها الى الولايات المتحدة.
وبين المخلفات العسكرية أيضاً حاويات صغيرة تحتوي على مادة الأسيد ترمى في متناول الأطفال، وبطاريات منتهية الصلاحية مزروعة قرب الأراضي الزراعية.
وفي انتظار أن تفتح القوات الأميركية تحقيقات وافية في تعاطي الشركات الخاصة مع النفايات السامة، يقول المتحدث باسم القوات الأميركية "ستيفن لانزا": "إن الخبراء الأميركيين سيقومون بالتعرف الى طبيعة النفايات المتروكة، لتعيين الجهة أو الأشخاص المسؤولين عنها في هذه الجريمة كي تتم محاسبتهم".
في غضون ذلك، تؤكد تقارير عراقية وأخرى دولية أن ملايين العراقيين لا يزالون يشربون مياهاً ملوثة، رغم بعض التحسن الذي طرأ على خدمات الصحة والماء النقي. ويساور اللجنة الدولية للصليب الأحمر قلق شديد إزاء الأفراد الذين يعيشون في منازل غير مرتبطة بشبكة المياه (40 في المئة تقريباً في الأرياف وضواحي المدن)، والذين يقصدون الأنهار والآبار لجلب المياه التي غالباً ما تكون ملوثة. كذلك فإن المنازل المجهزة بأنابيب المياه تواجه هي الأخرى بانتظام مشكلة غياب الصيانة وضخ المياه من الشبكة بصورة غير قانونية، ما يضطر العديد من العراقيين الى العيش مع مخاطر صحية ناجمة عن فضلات البيوت المتناثرة وأقذار المجارير غير المعالجة.
وفي التقارير الصحية، أن الكثيرين من الأطفال والبالغين يعانون من أمراض منقولة عن طريق المياه، لأن المياه الوحيدة التي يستهلكونها هي مياه النهر.
وفي الوقت نفسه يؤكد الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية التابع لوزارة التخطيط والإنماء العراقية أن أكثر من 40 في المئة من المياه المعدنية العراقية و10 في المئة من المياه المعدنية المستوردة غير صالحة للاستهلاك البشري. وتؤكد مصادر غير رسمية أن 80 في المئة من العراقيين يحصلون على مياه ملوثة غير صالحة للشرب الآدمي وحتى الحيواني، و70 في المئة من أمراض الطفولة مرتبطة بهذه المياه، ومياه بغداد بصورة خاصة تحتوي على المواد الآتية:
- الزرنيخ، الذي يؤدي الى ألم ووهن في العضلات وإصابات جلدية وأمراض الجهاز الهضمي والكبد والأعصاب.
- الرصاص، ويؤدي الى إصابة الإنسان بأمراض في الجهاز العصبي والهضمي والكلية والدم ومرض الأنيميا.
-الكادميوم يؤدي إلى إصابة الإنسان بأمراض الكلية والرئة والقلب والعظام.
-السيلنيوم.
-الزئبق.
إضافة الى المركبات غير العضوية كمركبات الفوسفات والفلورايد وكذلك مركبات النترات والنتريت حيث تتفاعل مركبات النتريت مع المواد الأمينية الموجودة في الطعام لتتحول الى مادة سامة يطلق عليها اسم «نيتروزايمن» وتسبب هذه المادة إصابات في الكبد والرئة والجهاز العصبي، كما تعتبر من المواد المسببة لحدوث السرطان وتشوهات الأجنة.
اعترافات
ويتوقف المراقبون عند التفاوت الهائل بين حجم التلوث الذي أحدثته الحروب وحجم الاستعدادات لتنظيف البيئة العراقية. وتقول "نيويورك تايمز": "إن التجربة التاريخية دلت على أن الحروب تترك مناطق واسعة مكتظة بالقنابل التي لم تنفجر وكماً هائلاً من الأسلحة الكيميائية والمواد المبيدة".
وفي أعقاب حرب الخليج، على سبيل المثال، تقدم جيران العراق بمطالب الى الأمم المتحدة تقضي بدفع تعويضات عن الأضرار البيئية الناتجة عن الأعمال الحربية، وقدرت هذه التعويضات بـ 80 مليار دولار، وقد منحت الأمم المتحدة، في حينه، الدول المتضررة 5 مليارات دولار من الأموال العراقية.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تدرك تماماً حجم التخريب الذي ألحقته عملياتها العسكرية في العراق منذ العام 2003، بقدر ما تدرك أن حرق النفايات وطمرها عن طريق الحفر والردم يرتب مخاطر بيئية وصحية. ثم إن هناك القنابل غير المنفجرة وهي تقدر بما بين 3 و5 في المئة من القنابل المستخدمة. ولقد قامت مؤسسة قدامى الحرب الأميركية في فيتنام بمسح لـ 13 محافظة عراقية، من أصل 18، وخلصت إلى أن العراق هو المنطقة الأكثر خطرًا في العالم على الأفراد من ناحية وجود الألغام في أرضه، وأن نسبة 99،3 % من المدنيين الذين يسقطون في العراق هم من ضحايا الألغام الموجودة في أرض العراق، إضافة إلى وجود بعض المناطق الزراعية التي سقط فيها الكثير من القنابل العنقودية، والتي تنفجر بين الحين والآخر.
وتشير نتائج المسح أيضًا إلى أن نسبة الألغام الموجودة في محافظات الوسط والجنوب أكبر من نسبتها في محافظات الشمال من العراق.
ونظرًا لما يشكله هذا الأمر من خطورة، وباعتراف وزيرة البيئة العراقية، نرمين عثمان، فإن الأراضي العراقية تحوي 25 مليون لغم - إن لم يكن أكثر – أي ما يقارب لغمًا لكل مواطن عراقي، وإزاء ذلك حاولت الحكومة العراقية تشكيل لجان ومؤسسات؛ لتقليل خطورة تلك الألغام، واستحدثت مركزًا لذلك في العاصمة، وهذا المركز مسؤول فقط عن الألغام الموجودة في بغداد، ومركزًا للشمال في محافظة أربيل، وآخر لمحافظات الجنوب، ومركزه البصرة، وبسبب عدم الاستقرار، لم تتمكن تلك المراكز من تقليل نسب الموجود من تلك الألغام.
والدراسات التي أجريت للتمكن من عمليات تنظيف الأراضي العراقية من الألغام، حسب مصادر الحكومة العراقية، تؤكد أن أمر التنظيف ربما يتواصل إلى سنة 2020، وأن العملية تحتاج الى فترة أربع سنوات على الأقل وأكثر من 355 مليون دولار. وقد قامت شركات أميركية عدة بالتعاقد مع الوزارات المعنية بشأن مكافحة الألغام في العراق؛ وذلك لأجل تدريب كوادر عراقية، من وزارات الدفاع والداخلية والبيئة، ومنها شركة رونكو، كما تخرج منتسبون عدة من تلك الوزارات خلال دورات أقامتها الشركة لهذا الغرض، لكن أمر مكافحة الألغام والتقليل منها بقي محدودًا.
التلوث الإشعاعي
إلى جانب التلوث الناتج عن النفايات السامة، والتلوث الآخر الناتج عن المياه غير الصحية، فضلاً عن أخطار الألغام، يعاني العراق بسبب الحروب الأخيرة من التلوث الإشعاعي الناتج عن النفايات النووية كاليورانيوم المستنفد.
والتقارير التي أعدت حتى الآن حول حرب تحرير الكويت تؤكد أن هذه الحرب شهدت إلقاء كمِّيَّات كبيرة من اليورانيوم المنضب في المنطقة الواقعة بين العراق والكويت، وعلى مساحات كبيرة وواسعة من الأراضي العراقيَّة، ذلك أن القوات الأميركية أطلقت 940 ألف قذيفة يورانيوم منضَّب صغيرة، و14ألف قذيفة دبَّابة، وأعدَّت عربتين محمَّلتَين بقذائف اليورانيوم أثناء حرب الخليج، بِهدف نشْر جزيئاتها السَّامة في الجو، وأسقطت 88 ألف طنٍّ من مختلف أنواع وأحجام القنابل، وهو ما يساوي سبعةَ أضعاف ونصف القوَّة التفجيريَّة والحارقة للقنبلة النَّووية التي أُطْلِقت على هيروشيما، وهناك ما بين 270 و680 ألف كلغ من نفايات اليورانيوم المنضب تُرِكَت في ساحة العمليَّات بين العراق والكويت. ويعد اليورانيوم أحد العناصر الكيميائية المشعة، واليورانيوم المنضب يحتوي على هذه الاشعاعات ولو بنسب متفاوتة. والدخان المتصاعد من اليورانيوم المنضب يغطي مساحات واسعة تصل الى عشرات الكيلومترات، وفي تقدير صحيفة «الاندبندنت» البريطانية أن ضحايا اليورانيوم المنضب في العراق يصل عددهم الى نصف مليون طفل، وعدد المرضى يصل الى مليون. ومعروف أن صحيفة «واشنطن بوست» نشرت في أيلول (سبتمبر) 2003 أن أكثر من ستة آلاف جندي أميركي تم سحبهم من العراق لأسباب مرضية، وسط مخاوف من وجود مواد إشعاعية. وقد تعززت هذه المخاوف بعدما قام سكوت بيترسون المحرر في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» بقياس مستوى الإشعاع في بعض مناطق بغداد، وهو يرافق علماء عراقيين اكتشفوا بأنفسهم أن هناك مناطق سكنية مصابة. وتتقاطع التقارير العراقية والدولية على أن سرطانات الأطفال وتشوهات الأجنة قد تزايدت في العراق بصورة لافتة خلال السنوات الاخيرة.



أرسل لصديق