القائمة الرئيسية
مقالات
د. مصطفى اللداوي
نتنياهو قلق على إرث بيغن
دكتور أحمد راسم النفيس
مسرح الشرق الأوسط
تاكسون آرز
الخطاب الطائفي عند آل سعود
علي آل غراش
مصليات الخبر.. ماذا بعد عامين من الإغلاق؟
الشيخ صالح الكرباسي
إحصاء عن توزيع الشيعة في العالم يكشف أنهم يشكلون ربع المسلمين
واصف عواضة
هل حق الدفاع عن النفس مسموح به؟
جعفر رجب
بروتوكولات حكماء الشيعة!
دكتور أحمد راسم النفيس
يتلونون ألوانا
تحقيقات
مقابلات
نفحات من أمير المؤمنين علي(ع)
إنّ انتماءنا لعلي (ع) يفرض علينا أن نكون الصادقين، أن نكون الأمناء، وأن نكون المحقّين، الذين يتحرّكون مع أهل الحق. فعلي (ع) ليس كلمةً نهتف بها، بل هو موقف ورسالة، لا بد أن نلتزمه بها ونتبعها
لا يوجد بيان أروع من قول أمير المؤمنين علي (ع) وهو يخاطب الناس: "وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ " [نهج البلاغة: خطبة 136].
فكان (ع) عبداً لله، بكل ما للعبودية من حقيقة، وكان يعمل على أن يعلّم الناس بأن يكونوا لله لا لأنفسهم.
لقد كان عيشه (ع) مع الناس، ولكنه كان في عيشه معهم يرتفع إلى الله دائماً، فيفكر فيهم من خلال الله، لا من خلال نفسه، وكان لا يريد الناس لنفسه بل لله؛ لأنه (ع) لم يعش لعصره فحسب، ولكنه عاش من أجل الإنسانية كلّها.
لذلك نرى بعض الناس يقولون نحب علياً (ع)، ولكنهم لا يصلّون ولا يطيعون الله في ما أمرهم، وهذا عكس ما أراده الإمام علي (ع)، فقد أرادنا علي أن نحبّه لنحب الله سبحانه.
وفي هذا يقول الإمام الباقر (ع): حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً وَأَتَوَلاهُ ثُمَّ لا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالاً، فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ، فَرَسُولُ اللهِ (ص) خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ (ص)، ثُمَّ لا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَلا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً ... مَنْ كَانَ للهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيّ وَمَنْ كَانَ للهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوّّ وَمَا تُنَالُ وَلايَتُنَا إِلا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ[الكافي: ج 2 ص 74، وأمالي الصدوق: ص 625، وأمالي الطوسي: ص 735]. يعني الورع عن محارم الله، وهذا هو خط الاستقامة.
وأروع ما في أمير المؤمنين علي (ع) أنه ما ترك شاردة من حياته الكريمة إلا وأعطانا من روحه ونفحاته ما يبصرنا في هذه الدنيا.
ففي أيامه الأخيرة العصيبة، وهو الواهن الذي يعاني من جرح قاتله، أراد (ع) أن لا يحرم أمته من وصاياه، فلم تشغله جراحاته عن التفكير في شأن الأمة، لكي يربطها بالله، ويربطها بكلّ القواعد الأساسية في علاقاتها مع بعضها البعض.
لقد كان(ع) يرسل وصيته في آخر لحظات حياته لولديه الحسن والحسين(ع)، باعتبار أنهما المسؤولان من بعده عن رعاية أمور المسلمين، ولجميع ولده ولمن بلغه كتابه. فكل من بلغه كتاب علي(ع) في وصيته تلك لا بد أن يتحمل مسؤولية هذه الوصية لينفذها على نفسه وعلى مجتمعه، لأنّ هذه الوصية هي أمانة علي(ع) التي حمّلها لكل المسلمين في كل الأجيال. فالمقصود بهذه الوصية الأمة الإسلامية.
قال (ع) في هذه الوصّية:
أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ وَأَلا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا، وَلا تَأْسَفا عَلَى شَيٍْء مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا، وَقُولا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلا لِلأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً، أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وُلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاحِ ذاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (ص) يَقُولُ: صَلاحُ ذاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ.
اللهَ اللهَ فِي الأَيْتَامِ فَلا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ، وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ، وَاللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ لا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ، وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ، وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا، وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ، لا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ [نهج البلاغة: خطبة 157، والكافي: ج 7 ص 51، من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 189، والتهذيب: ج 9 ص 176].
لقد ترك لنا أمير المؤمنين(ع) مجموعة من المبادئ المهمة:
المبدأ الأول: تقوى الله: بأن تراقبوا الله في كلّ شيء، وأن تعملوا على أن تحسبوا حساب الله في كل شيء.
المبدأ الثاني: قول الحق: فعلى المسلم أن يحمل هذا المبدأ؛ أن يتحدث بالحق والصدق، وأن يلتزم أيضاً بالحق والصدق، فلا يقول الكذب ولا يلتزم الباطل في كل موقع من مواقع حياته.. يجب أن لا تكون العداوة والصداقة هي الأساس في تأييدنا للمواقف، بل أن يكون الحق هو الأساس في ذلك.
المبدأ الثالث: العمل طريق أجر الله: إنّ الله يريد للإنسان المسلم دائماً، في كل موقع من مواقع حياته، أن يفكر برضا الله سبحانه وتعالى، وأن يفكر بثواب الله، فالله لا يريد للإنسان أن يقوم بأي عمل على أساس العبث، أو على أساس المزاج.
المبدأ الرابع: نصرة المظلوم: عندما نريد أن نحدد المظلوم، أن لا يكون تحديدنا للظالمين والمظلومين ناشئاً من هوى النفس، أو ناشئاً من العاطفة، أو ناشئاً من الصداقة أو القرابة أو المزاج. فبعض الناس يتحرك على أساس أن أقاربه هم دائماً المظلومون على طول الخط، ويعتبر أنّ البعيدين عنه ظالمون على طول الخط.
المبدأ الخامس: تنظيم الأمور: إنّه(ع) يخاطب النّاس: حاولوا أن تنظّموا أموركم وعلاقاتكم وأوضاعكم في القضايا التي تختلفون فيها، وأن تنظّموا أوضاعكم في القضايا التي تتفقون فيها، حتى تستطيعوا أن تواجهوا علاقاتكم ببعضكم البعض، في كل ما تلتقون عليه، وفي كل ما تفترقون فيه.
وأن لا تعيشوا الفوضى في أموركم الاجتماعية، وفي أموركم السياسية، وفي الجوانب الاقتصادية والأمنية وغير ذلك، بل أعطوا كل إنسان حقه، كونوا المجتمع المنظم الذي يعرف فيه كل إنسان موقعه ودوره، فلا يكون مجتمعاً فوضوياً يتحرك فيه كل الناس على هواهم ووفق رغباتهم وشهواتهم، لأن ذلك يسقط القضايا الكبرى ويسقط الأمة في كل قضاياها.
وهذا هو الأساس في سلامة كل مجتمع من المجتمعات، وهو أن تكون علاقته ببعضه البعض، علاقات ترتكز على أساس القواعد التي تنظّم للمجتمع دوره في حركة أفراده، ودوره في علاقات أفراده ببعضهم البعض.
وأخيراً...
إنّ انتماءنا لعلي(ع) يفرض علينا أن نكون الصادقين، أن نكون الأمناء، وأن نكون المحقّين، الذين يتحرّكون مع أهل الحق. فعلي (ع) ليس كلمةً نهتف بها، بل هو موقف ورسالة، لا بد أن نلتزم بها ونتبعها.
وعلى هذا الأساس، فإذا أردنا أن نقف مع علي(ع)، فلا بدّ أن نواجه الباطل كله، كما واجه(ع) الباطل كله.
لقد واجه علي(ع) الباطل في الكفر، فوقف ضد الكفر، وحارب كل الكافرين. وواجه علي(ع) الباطل داخل المسلمين، فوقف ضد أهل الباطل منهم، في ما كانوا يتحركون فيه من فكر، ومن ممارسات ومناهج..
وقف علي (ع) ضد ذلك كله، فكيف يمكن أن يكون موقفنا في كل ما يثار حولنا من قضايا، وفي كل ما يتحرك عندنا من أوضاع؟!!
ولنستمع إلى أحد أصحابه، وهو "ضرار بن غمرة"، حيث قدم على معاوية الذي طلب منه أن يصف علياً(ع)، فقال:
كان والله: "بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحِكَم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس باللّيل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلّب كفيه ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: "يا ربنا، يا ربنا"، ثم يقول: "يا دنيا يا دنيا غرّي غيري، ألي تعرضت أم إليّ تشوّفت، قد بِنتك ثلاثاً (طلقتك ثلاثاً) لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك كبير وعيشك حقير، آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق".



أرسل لصديق