القائمة الرئيسية
مقالات
د. مصطفى اللداوي
نتنياهو قلق على إرث بيغن
دكتور أحمد راسم النفيس
مسرح الشرق الأوسط
تاكسون آرز
الخطاب الطائفي عند آل سعود
علي آل غراش
مصليات الخبر.. ماذا بعد عامين من الإغلاق؟
الشيخ صالح الكرباسي
إحصاء عن توزيع الشيعة في العالم يكشف أنهم يشكلون ربع المسلمين
واصف عواضة
هل حق الدفاع عن النفس مسموح به؟
جعفر رجب
بروتوكولات حكماء الشيعة!
دكتور أحمد راسم النفيس
يتلونون ألوانا
تحقيقات
مقابلات
"صحيح البخاري" و"المذاهب" في كتاب "بيت العنكبوت"
يمتاز كتاب بيت العنكبوت بصفتين:
الصفة الأولى: هو بناؤه الضعيف الذي يمكن له أن ينهار لدى أول هبة ريح تطاله، فتجعل منه أثرا بعد عين.
والصفة الثانية: هي افتقاده لنقطة البدء والمنتهى, فلا يمكن للمتأمل فيه وفي أحواله أن يعرف أين وكيف بدأ ولا كيف ينتهي.
هكذا يحدث عندما تتشابك الخيوط وتتطلسم الطلاسم، فيختلط الحابل بالنابل، ويخفى على المرء وجه الخطأ والصواب والحق والباطل.
البناء الفقهي والعقائدي لا بد له أن يكون واضحا صافيا لا مجال فيه لهذه الدرجة من التخبط والارتباك التي لا يعرف فيها الناس وجه الخطأ من الصواب ولا أين يقع الحلال أو الحرام كما هو حالنا الآن.
القابضون على أعناق المسلمين، المتحكمون في مصائرهم يسعدهم ويرضيهم هذا الحال؛ بل ويمكننا أن نزعم أنهم هم من أنشأه وأسس له ليبقى الدين كله حمال أوجه، تقول، ويقولون!!.
قالوا وما أكثر ما قالوا!! إنهم يرغبون في إعادة إنتاج خطاب ديني معاصر، ينبذ العنف والإرهاب، ويؤسس لحرية الفكر واحترام حقوق الإنسان؛ في حين يشهد واقعنا المعاصر على عكس ذلك!!.
لهذه الأسباب قررنا أن نفتح باب النقاش حول أحد "التابوهات" الموروثة في ثقافتنا، والقائلة بأن "البخاري" و"مسلم" هما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، وأن من يتجرأ على مناقشة هذه الحتمية الوهمية، منكر للسنة النبوية، ومنكر السنة زنديق وكافر!!.
وقبل أن نخوض في هذه الملحمة الفكرية التاريخية التراثية، نؤكد على أننا لا ننكر صحة ما ورد في هذه الكتب بصورة مطلقة؛ بل نؤكد على أن هذه الكتب فيها الصحيح والضعيف، وفيها خلط متعمد أو عشوائي، بين ما له أصل، وما ليس له أصل، وأن عملية الخلط هذه، جاءت في إطار خطة أموية، ما زالت متواصلة حتى الآن، هدفت إلى إقصاء أئمة أهل البيت عليهم السلام، وتقديم (تصور إسلامي بديل) يفسح المجال لهيمنة القوى المتسلطة على رقاب الناس، باسم الدين، والدين منهم ومن خلطهم وتلبيسهم براء.
الآن خرج النقاش حول قداسة تلك الكتب المسماة بالصحاح إلى العلن، ولم يعد بوسع القوم إعادة هذا النقاش مرة أخرى الى داخل العلبة!!.
ورغم أن المسلمين عاشوا أكثر من قرنين من دون هذه الكتب، كان هناك فقه وفقهاء، ما يعني أن القداسة الممنوحة لهذه الكتب (لو سلمنا بذلك) ليست أصيلة أصالة القرآن، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومعلوم أن البخاري، صاحب أقدس هذه الكتب (صحيح البخاري) الذي يُزعم أنه أصح الكتب بعد كتاب الله, قد توفاه الله بعد عام 250هـ، ناهيك عن أن أي كتاب لا ينال شهرته إلا بعد سنين أو عقود، وربما بعد قرون، من حقنا أن نعرف متى وكيف أصبح مقدسا، ومتى نالت هذه الكتب رتبة (أصح الكتب بعد كتاب الله)؟!.
بديهية أخرى، لا ينتبه إليها القوم الذين يؤمنون إيمانا جازما أنهم وضعوا مصائرهم في أيد أمينة لن يهدأ لها بال إلا بعد أن يستقر بهم المطاف في جنات عدن خالدين فيها أبدا، وبعد أن يروا بأم أعينهم (منكري البخاري أعداء السنة والدين والإسلام والمسلمين من الرافضة في قعر جهنم، وهو يقين لا يدانيه إلا يقينهم بأنهم سيرون ربهم يوم القيامة كالبدر، لا يُضامون في رؤيته)!!, هذه البديهية هي أن الفقه السني (المذاهب الأربعة) قد تأسس قبل أن تصدر الطبعة الأولى من أي من هذه (الصحاح)، وأن البخاري قد ولد بعد موت آخر هؤلاء الفقهاء (الشافعي وأحمد بن حنبل) بزمن، ومن ثم فقد أخذ هؤلاء الفقهاء رواياتهم من ذلك الوعاء السائد في تلك المرحلة، مثلما أخذ الشيخ البخاري.
المعنى هو أن ظهور (كتب الحديث) تالٍ على ظهور المذاهب الأربعة، وليس سابقا لها، وبالتالي، فكتب الحديث لم تكن وقتها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، بحيث يمكن وضعها جنبا إلى جنب مع كتاب الله، اللهم إلا إذا كان القوم (ربما!!) قرروا أخيرا أن يعيدوا فتح باب الاجتهاد، ولذا فهم حريصون على توفير المادة الضرورية للقيام بهذه المهمة، وهو ما لا يصدقه الواقع، ولا نصدقه نحن!!.
لا نفهم حتى هذه اللحظة، طبيعة المكانة التي قررها القوم لهذه الكتب، خاصة وأنهم يعلنون التزامهم بالمذاهب الأربعة صباحا ومساءً، ولا يبغون عنها حولا، ويرونها ركنا ركينا من أركان الدين والإيمان، رغم خلوها المطلق من أي استناد لهذه الكتب المسماة بالصحاح.
المعنى أن هذه الكتب تشكل مصدرا موازيا للمذاهب الفقهية الأربعة، ولم تكن يوما ما مصدرا لهذه المذاهب.
البخاري معصوم وكتابه مقدس!!
نلاحظ أيضا ظاهرة مثيرة للدهشة، وهي أن كتاب البخاري بعد أن تحول إلى (كتاب مقدس) مشابه للقرآن، أصبح الملجأ والملاذ الذي تستمطر به الرحمات وتدفع به البلايا وكيد الأعداء!!.
ففي سنة 748هـ نزل بمصر والشام وباء شديد تسبب في موت مئات الآلاف من البشر، حيث يروي ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة): "فقدم على قاضي القضاة تقي الدين السبكي قاضي دمشق رجل من جبال الروم، وأخبره أنه لما وقع الوباء ببلاد الروم رأى في نومه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه ما نزل بالناس من الفناء، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: اقرأوا سورة نوح ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين مرة، واسألوا الله في رفع ما أنتم فيه، فعرفهم ذلك، فاجتمع الناس في المساجد، وفعلوا ما ذكر لهم، وتضرعوا إلى الله تعالى، وتابوا إليه من ذنوبهم، وذبحوا أبقارًا وأغنامًا كثيرة للفقراء، مدة سبعة أيام؛ والفناء يتناقص كل يوم حتى زال. فلما سمع القاضي والنائب ذلك، نودي بدمشق باجتماع الناس بالجامع الأموي، فصاروا به جمعًا كبيرًا وقرأوا "صحيح البخاري" في ثلاثة أيام وثلاث ليال. وفي شعبان تزايد الوباء بديار مصر وعظم في شهر رمضان، وقد دخل فصل الشتاء فرسم بالاجتماع في الجوامع للدعاء. وفي يوم الجمعة سادس شهر رمضان نودي أن يجتمع الناس بالصناجق الخليفتية والمصاحف عند قبة النصر خارج القاهرة، فاجتمع الناس بعامة جوامع مصر والقاهرة وخرج المصريون إلى مصلى خولان بالقرافة، واستمر قراءة البخاري بالجامع الأزهر وغيره عدة أيام، والناس يدعون إلى الله تعالى ويقنتون في صلواتهم".
أما الجبرتي فيروي في تاريخه (عجائب الآثار) كيف أن البخاري (الكتاب وليس الرجل)!! كان الملجأ والملاذ في مواجهة الغزو الفرنسي لمصر سنة 1798 م الموافق لسنة 1213 هـ، حيث يقول: (وفي يوم الجمعة 29 من محرم التقى العسكر المصري مع الفرنسيس، فلم تكن إلا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه، ولم يقع قتال صحيح، وإنما هي مناوشة من طلائع العسكرين، بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين، واحترقت مراكب مراد بك، بما فيها من الجبخانة والآلات الحربية والمحاربين، وتطايروا في الهواء، فلما عاين ذلك مراد بك داخله الرعب، وولى منهزمًا، ووصلت الأخبار بذلك إلى مصر، فاشتد انزعاج الناس، وركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق، وحضر الباشا والعلماء ورؤوس الناس، فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا، ويتولى الإقامة ببولاق إبراهيم بك ومماليكه، وقد كانت العلماء عند توجه مراد بك تجتمع بالأزهر كل يوم ويقرأون البخاري وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ فقراء الأحمدية والرفاعية والبراهمة والقادرية والسعدية وغيرهم من الطوائف، ويعملون لهم مجالس بالأزهر، وكذلك أطفال المكاتب ويذكرون الاسم اللطيف، (..) وفي يوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر انبابة، وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشتيل......).
أذكر أنني شاهدت، قبل فترة، في التلفاز رئيسا سابقا لجامعة الأزهر يشيد بالبخاري، ويثني على قادة الأسطول التركي الذين كانوا يخصصون قارئا للكتاب (!!) في كل سفينة من سفن الأسطول.
الصراع الدائر إذن، حول صحة البخاري المطلقة، والجهد الأسطوري المزعوم الذي بذله الرجل في تمحيص الأسانيد التي هي في جانب منها طنطنة فارغة، ولا معنى لها، لأن أحدا من فقهاء المذاهب لم يستند إلى هذه الكتب في تصحيح مذهبه؛ بل اعتمد ما صح عنده من روايات ولا شك في أن هذا الاعتماد كان انعكاسا للمناخ الفكري والسياسي السائد في هذا العصر.
الجانب الآخر من المعركة يتعلق بفقهاء الصدفة، وخطباء المنابر الندابين الذين ملأوا الساحة ضجيجا وعجيجا، لملء الفراغ وكسر حالة الصمت التي كان المسلمون سيعانون منها لو لم يجد هؤلاء الخطباء ما يقولونه أثناء الفترة المقررة للخطبة أو للدرس، إذ لا بد من قطع هذه المدة بآية أو آيتين أو رواية أو روايتين، وحبذا وألف حبذا لو قال الخطيب (جاء في الصحيح) فيطمئن جمهور السميعة، بأن كل شيء على ما يرام، وأن الخطيب لا يأتي بشيء من عنده، وطبعا ليس هذا هو حال كل الخطباء.
فالبعض يمارس مهمته سماعيا، فينقل ما سمعه عن آبائه الأولين، مثل قصة (ساق عروة بن الزبير) و(تفاحة والد أبي حنيفة النعمان)، والمهم هو استحسان المتابعين له يوم الجمعة!!.
أما فقهاء الصدفة من أمثال مفتي رضاع الكبير الذي وقع في شر أعماله، عندما أطلق هذه الفتوى اعتمادا على ورودها في (كتب الصحاح)، فكان أن طرد من وظيفته، لأنه لم يكن يعرف أن أحدا من الفقهاء الأربعة، لم يعتمد على الشيخ البخاري، ولا الشيخ مسلم بن الحجاج، في ما قدمه للناس من فقه وأحكام!!.
ولأن الجاهل عدو نفسه، فقد ضاع الرجل، ولم يدافع عنه أحد، ولا حتى الرئيس السابق لجامعة الأزهر، فالبخاري يصلح فقط لمحاربة الفرنسيين (وعنقلة اللصوص) لكن لا يمكن استخراج الأحكام الفقهية منه بصورته الراهنة مهما قيل عن قداسته!!.
(الصحاح) بين التكذيب المطلق والتصحيح المطلق
يحتاج كل من يناقش هذه القضية لأن يوضح موقفه من هذا التراث الضخم منذ البدء، حتى لا يقال إن فلانا يقول بالتكذيب المطلق لهذه الكتب، ثم يتدحرج الاتهام ليصبح إنكارا للسنة النبوية المشرفة، حسب زعم من يؤمنون بقداسة البخاري (قاهر الفرنسيس) والملجأ والمفزع في الملمات!ّ! حيث يترتب على ذلك أن منكر البخاري منكر للسنة النبوية، ومنكر السنة كافر، إلى آخر هذا الهراء الذي احترفه شيوخ الجمود والتحجر، المسؤولون عن أغلب مصائب هذه الأمة، وأحد أهم أسباب تخلفها ووقوعها في براثن اللصوص والإنجليز والفرنسيس وأمريكا وإسرائيل والديكتاتورية والإرهاب.
إنه الثالوث المشؤوم: الإرهاب والتبعية للغرب والديكتاتورية التي أنتجها رموز التخلف وتجميد العقل، باسم الدين، والدين منهم ومن جمودهم براء.
نحن لا نقول بالتكذيب المطلق لهذا التراث، ولكننا نؤمن بما قاله الإمام علي بن أبي طالب(ع) وهو ما نستعرضه في هذا الكتاب.
القضية الكبرى هي أن القوم قد وضعوا مجموعة من الضوابط والأسس التي لم يلتزموا بها للحظة واحدة، فكانوا كمن سبقهم من الأمم الذين يقولون ما لا يفعلون.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ).
أما لماذا نناقش نحن هذه القضية، رغم أننا ممن يؤمنون بمدرسة أهل البيت(ع)، وفقههم ومنهجهم، وأن في هذا الفقه والمنهج غنى عن تسول العلم والفقه والمعرفة على طريقة الباعة الجائلين، كما سنوضح في هذا البحث؟!.
فالسبب في ذلك هو الرغبة في إزالة هذه الغشاوة التي وضعها تجار الدين القدامى والمحدثون على أعين جمهورهم المضلل، ليتمكنوا من سوقهم حيث شاؤوا، وكيفما شاؤوا وشاء لهم الهوى السلطوي أو التطلع الخوراجي المهلك والمضل!!.



أرسل لصديق